هكذا نحل مشاكل بيوتنا


(جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت فاطمة، فلم يجد عليًّا، فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: انظر أين هو؟ فقال: هو في المسجد راقد، فجاءه وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قم يا أبا تراب...قم يا أبا تراب) [متفق عليه].
المشاكل وحلولها:
عندما نتأمل إلى ذلك البيان النبوي الشريف يتبين لنا كيف أن السيدة فاطمة رضي الله عنها لم تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة الخلاف وماهيته، بل كل ما أخبرته به هو وجود خلاف فحسب، ولننظر أيضًا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأنه لم يدع مجالاً لكي يتسع الخلاف والغضب، فترك زوجته وذهب إلى أفضل مكان ترتاح فيه الأعصاب وتصفو النفوس.
(ولنتأمل أيضًا في حكمة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أنه لم يسأل فاطمة رضي الله عنها عن التفاصيل وأسباب الخلاف، كما أنه لم يعاتب عليًّا، بل داعبه ولاطفه بأسلوب كان له أبعد الأثر في زوال رواسب الغضب والضيق، وهذا ما يجب علينا اتباعه أزواجًا وزوجات وآباء في مثل هذه المواقف، سواءً كان التوتر من جانب الزوجة أم من جانب الزوج) [فن العلاقات الزوجية في ضوء القرآن والسنة والمعارف الحديث، محمد الخشت، ص(139)].
جذور المشكلات:
لاشك أن الزواج هو السكن والمودة للزوجين، ولذا فالزواج يمثل الاستقرار الحقيقي للزوجين، ولكن مع عدم قدرة الزوجين على التعامل مع ضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يبقى ذلك الاستقرار المنشود في الحياة الزوجية أملاً، وحينما نتكلم عن المشكلات أو الأزمات لا نقصد الاختلاف في الرأي حول أمر من الأمور، وتباين وجهات نظر الزوجين تجاه قضية معينة، أو الحالات العارضة، ولكننا نعني جذور المشكلات الحقيقية التي تعوق المودة والرحمة بين الزوجين، ولهذه المشكلات أسباب مختلفة، منها:
أولاً: التنشئة الاجتماعية للزوجين:
كل من الزوجين نشأ في بيئة مختلفة عن الآخر، ومرت بكل واحد منهما ظروف مختلفة، أثرت في اختلاف توقعاتنا للأمور، فعادة يتأثر الأبناء بسلوكيات الأب والأم، وهكذا يكتسب الأولاد والبنات سلوكياتهم من خلال الأسرة والمنشأ الأول، ويظهر ذلك في كيفية إنفاق المال، ترتيب أمور المنزل، اتخاذ القرارات، حل المشكلات ومواجهتها، تربية الأولاد، ترتيب الأولويات....إلخ، وهذا كله يؤدي إلى عدة أمور:
1. (اختلافات شخصية:
فاختلاف الشخصيتين وعدم فهم هذا الأمر، يؤدي إلى كثير من المشاكل، فالشخصيات كثيرة ومتنوعة ولها سماتها، فهناك العقلاني والعاطفي والاجتماعي والانطوائي، وهذه الشخصيات آية من آيات الله في الكون، فإذا لم يتفهم كل صاحب شخصية صاحبه، ومفاتيح تلك الشخصية وكيفية التعامل معها فستقع كثير من المشكلات، والشخصيات المتشابهة تتفاهم أكثر من غيرها.
2. اختلاف تجارب الحياة:
تجارب الحياة لها أثر كبير في صياغة الشخصية والنفسية، وحجم هذه التجارب ونوعيتها، وكذلك النتائج المستخلصة منها، فإذا كان الشخص مجربًا وناضجًا، وفي بيئة تؤهله لذلك، أدى ذلك إلى واقعيته وقدرته على حل المشكلات، والتعامل معها، على العكس من الآخر قليل التجربة، حيث يمكن أن ينزلق في بعض المشكلات كان يمكن البعد عنها.
3. الاختلاف في الموروثات الثقافية والاجتماعية:
فأي إنسان يعيش في أي مجتمع سواء كان رجلاً أو امرأة سوف يتأثر، ويحمل الشيء الكثير من حضارة وثقافة ومفاهيم ذلك المجتمع الذي عاش فيه وحسب تكوينه، وكل هذه الموروثات والمفاهيم تنعكس على طريقة التفكير والتعامل بين الزوجين وعلى معالجة المشاكل والنظرة إلى الحياة) [حتى يبقى الحب، محمد محمد بدري، ص(506-507)].
ثانيًا: عدم التفاهم بين الزوجين في القضايا الأساسية:
ينسى الرجل وتنسى المرأة أن كلاًّ منهما مختلف عن الآخر؛ فعندها تنشأ بينهما التناقضات والصعوبات، ويغضب كلٌّ منهما من الآخر؛ لأن كل واحد يتوقع من الآخر أن يكون مثله، فالرجل يريد من المرأة أن تطلب ما يود هو الحصول عليه، وتتوقع المرأة منه أن يشعر بما تشعر هي به تمامًا.
(فكلا الزوجين يفترض خطأً أن الآخر إذا كان يحبه فسوف يتصرف بنفس الطريقة التي يتصرف بها هو عندما يعبِّر عن حبِّه وتقديره، وإن هذا الافتراض المتوهم سيكون عند صاحبه خيبات الأمل المتكررة، وسيضع الحواجز الكثيرة بين الزوجين) [التفاهم في الحياة الزوجية، مأمون مبيض، ص(19)].
ومن هذه القضايا الأساسية:
1. المال:
فهي من المسائل التي كثيرًا ما تخلق مشكلات بين الزوجين، فالزوجان لم يتفقا على رؤية في الإنفاق أو حدود مال الزوجة وغيرها من هذه الأمور أن المشكلات المالية تخيم بظلالها على السعادة الزوجية، وعادة ما تكون المشكلة قلة المال أو كثرة الوقت المبذول في البحث عن المال)[حان الوقت لزواج أفضل، د.جون كارلسون، دينكماير، ص(106)].
2. الأولاد:
تنشأ المشكلات والأزمات بين الزوجين حينما لا يكون لديهم رؤية مشتركة في تربية الأولاد، فالابن حينما يفعل شيئًا خاطئًا نجد أن الأب ربما يعاقبه لذلك، بينما الأم تعترض على هذا العقاب، بل وتقوم بإرضاء ولدها، فمثل هذه الأمور تُحطِّم العلاقة بين الزوج والزوجة.
3. العلاقة الحميمة:
إن وجود العلاقة الخاصة بين الزوجين من أكثر الأمور التي تجعل حياة الزوجين مستقرة وسعيدة، فالسكن هدف من أهداف الحياة الزوجية، فإن الاضطراب في هذه العلاقة يسبب أزمات كبيرة سواء على المستوى النفسي والجسدي، وقد أثبتت بعض الدراسات النفسية أن السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، حينما يكون هناك توافق بينهما حول العلاقة الحميمة، ذلك لأنها تكون مصدر للنشوة والسعادة للزوجين.
خطوات حل الأزمات:
1. الاحترام المتبادل:
يبدأ الاحترام بين الزوجين حينما يلين كل منهما للآخر، فكثير من التصرفات التي يقوم بها الزوج أو الزوجة بناءً على ضغط نفسي أو ظروف معينة، ولو لم تكن هذه الظروف النفسية أو العائلية لما تصرف بهذا التصرف، فلهذا يأتي هنا أهمية اللطف في التعامل، والرفق بالطرف الآخر؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما القسوة والشدة فإنها تعكِّر صفو الحياة الزوجية، وتؤدي بها إلى الفتور أو الانفصال، فكم من زوجين انفصلا عن بعضهما البعض بسبب قسوة أحد الطرفين! وكم من زوجين ندما في بداية الزواج على الاختيار والموافقة، ثم جَمَّل اللطف والرفق حياتهما وزينها لهما!!.
2. حل الموضوع الأساسي:
اشترى عمر سيارة جديدة وأحضرها إلى المنزل متوقعًا من زوجته إسراء أن تتحمس وتسعد بهذا القرار، اندهشت إسراء ولكنها كانت منزعجة، فتحير عمر من سلوك زوجته لأنها لم تعبر عن رغبتها في مساعدته في اختيار السيارة، والجدير بالذكر أن عمر كان دائمًا يطلب رأي زوجته في موضوع شراء السيارة وتحديد لونها ونوعها، ولأن إسراء في هذه المرة لم تُستشر في الموضوع، فقد شعرت بالانزعاج وبعدم أهميتها في عملية الشراء، وما كان منها إلا أن أظهرت رفضها لفكرة الشراء برمتها.
فعملية الشراء في حد ذاتها لم تكن القضية، ولكن المسألة هي كيفية اتخاذ القرار؟ وعدم أخذ عمر لرأي زوجته، وهكذا يجب أن يركز الزوجان على الموضوع الحقيقي.
3. تحديد نقاط الاتفاق:
وهذا من أفضل الأشياء، أن يقوم الزوجان بتحديد النقاط المشتركة ومجالات الاتفاق بينهما حول المشكلة، حتى يستطيعا فيما بعد أن يأخذا القرار المناسب، ويقوما بحل الأزمة.
4. اتخاذ القرار بالاشتراك معًا:
(حين يبدأ الزوجان في التعامل مع المشكلة ومحاولة توضيحها، يمكن لأحد الزوجين أن يقدم حلاًّ مؤقتًا، وعلى الآخر أن يستجيب إما بالقبول أو بتعديل الحل، أو باقتراح حل آخر، فالمناخ الذي يتسم بالأخذ والعطاء والتبادل هو المناخ الصحي الفعال، فإذا وصل الزوجان إلى اتفاق، فيجب أن يحاولا توضيح دور كل منهما في تنفيذ القرار) [حان الوقت لزواج أفضل، د. جون كارلسون، ص(92-93)، بتصرف].
ورقة عمل:
1. إذا كنتِ ذات مال فتعاوني مع زوجك في الإنفاق بالاتفاق، وأفضل النفقة والقربة إلى الله هي نفقة الرجل على زوجته وعياله، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك) [رواه مسلم]، ويجب أن يضع كلا الزوجين التصور الكامل للملف المالي، فليس معنى أننا نطلب من الزوجة أن تساعد زوجها، أن يتكل الزوج على ذلك، ولا ينفق على زوجته ولا يرعاها.
2. لابد أن يتفق الزوجان على رؤية واضحة في تربية الأولاد، في كل شيء، مثل أساليب الثواب والعقاب وغيرها.
3. الاتفاق حول العلاقة الحميمة أمر هام، فيجب أن يحدد كلا الزوجان، الوقت والمكان المناسبين لهذه العلاقة الخاصة، كذلك ما يحبانه ويكرهانه من ملابس وعطور وزينة.


كاتب المقالة : أم عبد الرحمن
تاريخ النشر : 13/10/2011
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com