حكم التُّروك النبويَّة دراسة تأصيلية (2)



المطلب الرابع: علاقة الترك بالفعل:

اختلف الأصوليون في الترك هل هو فعل أم لا، وترتب على خلافهم هذا آثار أصولية وفقهية، وهذا الخلاف ليس في الترك بمعنى العدم إذ الترك بمعنة العدم المحض ليس بفعل، لأنه عدم وهذا واضح لا إشكال فيه. أما الترك بمعنة الكف فهل هو فعل أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين مشهورين في الأصول.

أحدهما: أنه فعل ، وهذا ما ذهب إليه الجمهور ونص على ذلك طائفة منهم ، الحنفية  ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وغيرهم.

القول الثاني: أنه ليس بفعل ، وذهب إلى هذا القول، ما نقله ابن تيمية عن أبي هاشم الجبائي أنه يرى أن الكف عدم ، أي : ليس بفعل واختاره ابن عرفه في تفسيره قال:  " البحث على أنه ـ أي الترك ـ غير فعل " وهو مقابل الصحيح عند المالكية، ويفهم منه عبارة للقفال من الشافعية.

الترجيح:

من خلال ما سبق يتضح بأن القائلين الترك ليس بفعل لا يخلو كلامهم من أحد أمرين:

1ـ أن يقصد بالترك أمر غير الكف وهو عدم الفعل لعدم الحاجة إليه: مثل قول ابن عرفة: " إذا كان طيب الطعام بين يدي رجلين أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه شيئاً، يقال في الجائع: إنه كف عن الأكل، وفي الشبعان: إنه ترك الأكل.

2ـ أن يقصد أن ترك الكف والامتناع ليس بفعل، وهذا لم أجد أحداً نسب إليه هذا القول تصريحاً سوى أبي هاشم الجبائي من المعتزلة ، والرواية المشهورة عن المالكية.

 

المبحث الثاني

شروط السنة التركية وكيفية معرفتها

فيه مطلبان

المطلب الأول: شروط السنة التركية

من خلال التعريف المختار للسنة التركية، يتبين أنه لاعتبار ترك النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ سنة عدة شروط:

أولها: أن يكون الترك مقصوداً، وذلك كتركه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قتل المنافقين ، فإن كان غير مقصود فلا يكون عندها سنة، وذلك كتركه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بناء المراحيض في الأسواق والأماكن العامة. فمثل هذه التروك ليست سنة لعدم القصد.

الثاني: أن يكون الترك بياناً للأمة، كتركه الوضوء لكل صلاة. فإذا لم يكن بياناً فلا يسمى تركه سنة، وذلك كتركه أن يرفع الأذان بنفسه، وكتركه العمرة في رمضان، فلا تسمى مثل هذه التروك سنة.

الثالث: ترك الفعل مع القدرة عليه، وذلك كتركه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قتل شارب الخمر عندما يتكرر ذلك منه، بياناً لنسخ الأمر بقتله ، فإن كان الترك لعدم القدرة عليه فلا يجوز تسمية الترك سنة، وذلك كتركه ـ عليه السلام والسلام ـ استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان، وتركه كثيراً من المستجدات والتقنيات الحديثة، وذلك لعدم قدرته على استعمالها، لعدم وجودها في عصره.                            الرابع: وجود المقتضي للترك، كتركه الأذان والإقامة للعيدين ، مع وجود ما يقتضي هذا الفعل من دعوة الناس للصلاة، وإعلامهم بقرب وقتها حتى لا تفوتهم لانشغالهم عنها وغيرها من الدواعي للأذان، فترك النبي – عليه الصلاة والسلام - له هنا سنة لوجود المقتضى، أما تركه لقتال مانعي الزكاة فلا يقال بأنه سنة، وذلك لعدم وجود ما يقتضي الفعل، وذلك لعدم وجود مانعين للزكاة في حياته.

والخامس:عدم وجود مانع يمنع من الفعل، كتركه جمع القرآن في السطور، وذلك لأن القرآن كان لا يزال يتنزل عليه عليه الصلاة والسلام - فليس كل السور ينزل جملة واحدة، فبعض السور ينزل متفرقا، بل بعض الآيات كذلك، فثبت أن "غير أولي الضرر" نزلت وحدها، وهي جزء من قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء.

فعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: لما نزلت : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ولوجود هذا المانع ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جمع القرآن ، فلا يكون تركه سنة. 

المطلب الثاني: كيفية معرفة السنة التركية

وتعرف السنة التركية بنقل الصحابة – رضوان االله عليهم - الذين نقلوا لنا السنة الفعلية، والقولية، والتقريرية، والهمًية وذلك يكون بأمور:

أولهما: التصريح بأنه - عليه الصلاة والسلام - ترك كذا وكذا ولم يفعله  ، كقول الصحابي في عاشوراء: تدري ما يوم يفعله عاشوراء؟ إنما كان رسول االله – عليه الصلاة والسلام ـ يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما فرض رمضان ترك.

الثاني: ما يفهم من نقل الصحابة بأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ترك فعل كذا وكذا، كقول الصحابي في صلاة العيد: " إن النبي - عليه الصلاة والسلام - صلى العيد بلا أذان ولا إقامة"  ، وقوله في ترك سدل الشعر: أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام - كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان رسول االله - عليه الصلاة والسلام – يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول االله - عليه الصلاة والسلام – رأسه. والثالث: عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله - عليه الصلاة والسلام - لتوفرت هممهم ودواعيهم، أو أكثرهم، أو واحد ، فحيث لم ينقله واحد منهم، ولا حدث به في مجمع أبداً، علم أنه لم يكن. وذلك كتركه ـ عليه الصلاة والسلام ـ المبيت في عرفة. 

وللحديث بقية




كاتب المقالة : الشيخ / محمد فرج الأصفر
تاريخ النشر : 29/09/2021
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com