هل لا يوجد بما يسمى بالأولويات في ترتيب الأمور؟


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


أولاً:

من ادعى بأنه لا يوجد بما يسمى بفقه الأولويات في كل الأمور سواء كانت تعبدية أو دنيوية فهو جاهل، لأن الموازنات في كل شئ من السنن الإلهية الكونية وهذا معروف شرعاً وعقلاً. وفقه الأولويات هو وضع كل شيء في مرتبته. فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير ولا يصغر الأمر الكبير ولا يكبر الأمر الصغير.  أو هو مجموعة الأسس والمعايير التي تضبط عملية الموازنة بين المصالح المتعارضة أو المفاسد المتعارضة مع المصالح ليتبين بذلك أي المصلحتين أرجح فتقدم على غيرها، وأي المفسدتين أعظم خطراً فيقدم درؤها كما يعرف به الغلبة لأي من المصلحة أو المفسدة عند تعارضهما ليحكم بناء على تلك الغلبة بصلاح ذلك الأمر أو فساده.


ثانياً:

أما دليل مشروعية فقه الأولويات ( الموازنات ) من القرآن الكريم فهو.

قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)التوبة:19. وجه الدلالة : أن القرآن فاضل بين عملين وهما: سقاية الحاج والإيمان والجهاد، وقدم أحد الأعمال وفضلّه على الآخر وهو الإيمان والجهاد.

وقال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) الأنعام:108، وجه الدلالة: إن الآية منعت من سب آلهة المشركين وتحقيرها، وهي مصلحة بلا شك، وتحفيز للناس إلى عدم عبادتها، حتى لا يسب المشركون المولى عز وجل، فكانت مفسدة سب الباري عز وجل أعظم من كل مصلحة فيها ذم لآلهة المشركين، وتحفيزالناس إلى عدم عبادتها. يقول ابن كثير: " يقول تعالى ناهياً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو ".  ويقول القرطبي: " وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين ".


ثالثاً:

أما عن دليل مشروعية الأولويات في السنة النبوية، فهي كثيرة ومنها:ــ

1ـ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد.

2ـ عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل ) أخرجه أبو داود

3ـ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " البخاري ومسلم.

4ـ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، قَالَ : كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، قَالُوا: " بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ بِالْمُصْطَلِقِ يَجْتَمِعُونَ لَهُ ، وَقَائِدُهُمُ: الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ، أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، زَوْجِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ للَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَرَجَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إِلَى السَّاحِلِ، فَتَزَاحَفَ النَّاسُ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، فَهَزَمَ اللَّهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَنَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَفَاءَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ، يُقَالُ لَهُ: هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأً. فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَرَدَتْ وَارِدَةُ النَّاسِ، وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ ، يَقُودُ لَهُ فَرَسُهُ. فَازْدَحَمَ جَهْجَاهُ وَسِنَانٌ الْجُهَنِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ: زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، غُلامٌ حَدِيثُ السِّنِّ ، فَقَالَ: أَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلادِنَا، وَاللَّهِ مَا عَدَوْنَا وَجَلابِيبُ قُرَيْشٍ مَا قَالَ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ ، أَمَا وَاللَّهِ ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ ، أَمَا وَاللَّهِ ، لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ بِلادِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَمَشَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ عَدُوِّهِ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ بِهِ عَبَّادَ بْنَ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؟ لا، وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ ، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَرْتَحِلُ فِيهَا. فَارْتَحَلَ النَّاسُ) المستدرك ، والسنن الكبرى للبيهقي، المعجم الكبير للطبراني.


رابعاً:

أما في الفقه تجد مصطلحات متعارف عليها عند الفقهاء فيما يسمى بفقه الأولويات والموازنات منها:ـ

1ـ العقيدة أولى بالتقديم من الشريعة: فعن ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس)أخرجه البخاري.

2ـ قولهم الفرائض أولى من المستحبات والنوافل.  

قولهم الأكثر مفسدة أولى بالدرء من الأقل مفسدة: فعن أبي هريرة قال : " دخل أعرابيُّ المسجد والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جالس ، فصلَّى فلمَّا فرغ قال : اللَّهمَّ ارحمنى ومحمَّدًا ، ولا ترحم معنا أحدًا ، فالتفت إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال : "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ، فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه النَّاس ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : " أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاء أَوْ مِنْ مَاءٍ " ثمَّ قال : " إنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسْرينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ( أخرجه البخاري وأبوداود وأحمد وابن خزيمة.

4ـ قولهم طلب الأعلى أولى من طلب الأدنى: لقوله تعالى:(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) البقرة:61.

5ـ قولهم الإخفاء في التطوعات أولى من الإظهار: لقوله تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ) البقرة: 271.

6ـ قولهم الأولوية للأعمال ذات الصبغة المستمرة على الأعمال المنقطعة أو المتقطعة، وبهذا يكون كل عمل يتعلق بإصلاح المجتمع ونفعه أفضل من العمل المقصور نفعه على صاحبه فقط.

قولهم التيسير أولى من التعسير: ومر بينا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها ــ كذلك الصدقة في الصحة أولى من الوصية. ولو نظرنا بعين الحكمة نجد أن من الحكمة تقديم الأهم على المهم والأكثر مصلحة من الأقل مصلحة والظاهر على غير الظاهر، وغير ذلك، وهذا معتبر في سائر الأمور الدنيوية.


هذا. والله أعلى وأعلم




كاتب المقالة :
تاريخ النشر : 25/10/2017
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com