وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ



وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ

فيه ست مسائل
الأولى : قال الكوفيون : الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد . وقال البصريون : هما للقليل والكثير , بدليل قوله تعالى : " وهم في الغرفات آمنون " [ سبأ : 37 ] والغرفات كثيرة . ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى , وهي أيام التشريق , وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها , وهي أيام رمي الجمار , وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر , فقف على ذلك .
وقال الثعلبي وقال إبراهيم : الأيام المعدودات أيام العشر , والأيام المعلومات أيام النحر , وكذا حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي أيام العشر .
ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع , على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره .
قال ابن عطية : وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة , وإما أن يريد العشر الذي بعد النحر , وفى ذلك بعد .
الثانية : أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات , وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر , وليس يوم النحر منها , لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر , ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر ; لأنه قد أخذ يومين من المعدودات .
خرّج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي : أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله وهو بعرفة فسألوه , فأمر مناديا فنادى :
الحج عرفة , فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك , أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ,
* أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر , ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة , ويسقط عنه رمي يوم الثالث .
* ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر , واستوفى العدد في الرمي , على ما يأتي بيانه .
ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجي : ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفر فأيام الرمي معدودات , وأيام النحر معلومات .
وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده , فيوم النحر معلوم غير معدود , واليومان بعده معلومان معدودان , واليوم الرابع معدود لا معلوم ,
وهذا مذهب مالك وغيره . وإنما كان كذلك لأن الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى : "واذكروا الله في أيام معدودات" ولا من التي عين النبي بقوله : ( أيام منى ثلاثة ) فكان معلوما ; لأن الله تعالى قال : "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" [ الحج : 28 ] ولا خلاف أن المراد به النحر ,
* وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث , ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا , فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : "معلومات" لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه , فصار معدودا لأجل الرمي , غير معلوم لعدم النحر فيه .
قال ابن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح , لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : "واذكروا الله في أيام معدودات" . وقال أبو حنيفة والشافعي : الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة , وآخرها يوم النحر , لم يختلف قولهما في ذلك , ورويا ذلك عن ابن عباس .
وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر , قال أبو يوسف : روي ذلك عن عمر وعلي , وإليه أذهب , لأنه تعالى قال : "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" .
وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة : يوم الأضحى ويومان بعده . قال الكيا الطبري : فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات ; لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف , ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر ; لأن الله تعالى يقول : "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث . وقد روي عن ابن عباس (أن المعلومات العشر , والمعدودات أيام التشريق) , وهو قول الجمهور .
قلت : وقال ابن زيد : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق , وفيه بعد , لما ذكرناه , وظاهر الآية يدفعه . وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله , فلا معنى للاشتغال به .
الثالثة : ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج , خوطب بالتكبير عند رمي الجمار , وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية , وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا ؟
فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام , اقتداء بالسلف رضي الله عنهم .
وفي المختصر : ولا يكبر النساء دبر الصلوات , والأول أشهر ; لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل , قاله في المدونة .
الرابعة : ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا , وإن تباعد فلا شيء عليه , قاله ابن الجلاب . وقال مالك في المختصر : يكبر ما دام في مجلسه , فإذا قام من مجلسه فلا شيء عليه وفي المدونة من قول مالك : إن نسي الإمام التكبير فإن كان قريبا قعد فكبر , وإن تباعد فلا شيء عليه , وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبروا .
الخامسة : واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير , فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس : (يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق) . وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر . وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول , قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم , فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء .
وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق , وبه قال الشافعي , وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا .
وقال زيد بن ثابت : يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق .
قال ابن العربي : فأما من قال : يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر ; لأن الله تعالى قال : "في أيام معدودات" وأيامها ثلاثة , وقد قال هؤلاء : يكبر في يومين , فتركوا الظاهر لغير دليل . وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق , فقال : إنه قال : "فإذا أفضتم من عرفات" [ البقرة : 198 ] , فذكر " عرفات " داخل في ذكر الأيام , هذا كان يصح لو كان قال : يكبر من المغرب يوم عرفة ; لأن وقت الإفاضة حينئذ , فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ , ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى .
السادسة : واختلفوا في لفظ التكبير , فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات , رواه زياد بن زياد عن مالك . وفي المذهب رواية : يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله , والله أكبر ولله الحمد . وفي المختصر عن مالك : الله أكبر الله أكبر , لا إله إلا الله , والله أكبر , الله أكبر ولله الحمد .



كاتب المقالة : الشيخ / محمد فرج الأصفر
تاريخ النشر : 10/10/2010
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com