التفسير والإسرائيليات ( 8 ) في قصة بلقيس ملكة سبأ


الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ
ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى : {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل : الآية 44].
فقد ذكر ابن جرير ، والثعلبي والبغوي ، والخازن ، وغيرهم : "أن سليمان أراد أن يتزوجها ، فقيل له : إن رجليها كحافر الحمار ، وهي شَعْرَاء الساقين ، فأمرهم ، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة ، فلما رأته حسبته لجة ، وكشفت عن ساقيها لتخوضه ، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا ، إلا أنها كانت شعراء الساقين ، فكره ذلك ، فسأل الإنس ما يذهب هذا ؟ قالوا : الموسي ، فقالت بلقيس : لم تمسني حديدة (1) قط ، وكره سليمان ذلك ، خشية ان تقطع ساقيها ، فسأل الجن : فقالوا : لا ندري ، ثم سأل الشياطين ؟ فقالوا : إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء ، فاتخذوا لها النورة (2) والحمام ، فكانت النورة والحمام من يومئذ"
(3)
وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب القرظي ، والسدي ، وابن جريج وغيرهم.
وروي أيضا :
أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين قالت له : أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء!! فسأل سليمان الإنس ، ثم الجن ، ثم الشياطين ، فقالت الشياطين : هذا هين ، أجر الخيل ، ثم خذ عرقها ، ثم املأ منه الآنية ، فأمر بالخيل فأجريت ، ثم أخذ العرق فملأ من الآنية!!
وسألته عن لون الله عز وجل فوثب سليمان عن سريره ، وفزع من السؤال ، وقال : لقد سألتني - يا رب - عن أمر ، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك ، ولكن الله أنساه ، وأنساهم ما سألته عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراد : الموسي التي تزيل الشعر.
2 ـ مادة يزال بها الشعر.
3 ـ كذاب ظاهر ، كأن النورة والحمام لم يكونا إلا لها ، وكأن سليمان عليه السلام لم يكن له هَمٌّ إلا إزالة شعر ساقيها ، وهو تجنٍّ صارخ على الأنبياء ، وإظهارهم بمظهر المتهالك على النساء ومحاسنهم ، فقبح الله اليهود.
_______________________________________
وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان ، وجاءت بولد ، أن يبقوا في عبوديته ، فصنعوا له هذا الصرح الممرد ،
فظنَّته ماء ، فكشفت عن ساقيها لتعبره ، فإذا هي شعراء ، فاستشارهم سليمان : ما يذهبه ؟. فجعلت له الشياطين النورة.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر بعض المرويات : والأقرب في مثل هذه السياقات : أنها متلقاة عن أهل الكتاب ، مما وجد في صحفهم ، كرواية كعب ، ووهب ، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد ، والغرائب والعجائب مما كان ، وما لم يكن ، ومما حرف ، وبدل ، ونسخ ، وقد أغنانا الله عن ذلك ما هو أصح منه ، وأنفع ، وأوضح ، وأبلغ ، ولله الحمد والمنة.

التفسير الصحيح لبناء الصرح
والحق : أن سليمان عليه الصلاة والسلام أراد ببنائه الصرح : أن يريها عظمة ملكه ، وسلطانه ، وأن الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها ، فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك ، والتي دونها أية نعمة وحاشا لسليمان عليه السلام وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه - أي : الله ، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل ، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه ، وهما ساقاها ، وهو أَجَلُّ من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين ، والخلق الرفيع ، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق ، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس ، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصرح : هو القصر المشيد المحكم البناء ، المرتفع في السماء ، والممرد : الناعم الأملس ، القوارير : الزجاج الشديد الصفاء.
تفسير ابن كثير والبغوي ج 6 ص 286 ، 289.
جمع آبدة : وهي : الأمور المشكلة البعيدة المعاني ، واصل الآبدة النافرة من الوحش التي يستعصى أخذها ، ثم شبه بها الكلام العويص المعاني.

والله أعلم


كاتب المقالة : الشيخ / محمد فرج الأصفر
تاريخ النشر : 30/11/2010
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com