شيطنة بن لادن


ـ أمريكا ما زالت مصرة على السير قدما في ملحمتها الدرامية وأوديستها المعاصرة ، إلى آخر فصولها مهما كانت هذه الفصول هزلية أو مموجة وصفيقة  ، ففي أحدث فصول الميلودراما الأمريكية الخاصة بمقتل شيخ المجاهدين العرب " أسامة بن لادن " زعيم تنظيم القاعدة ، أعلنت بالأمس كل وكالات الأنباء الكبرى الأمريكية عن عثور الفريق الخاص بقنص الشيخ " أسامة بن لادن " على مواد إباحية على شرائط فيديو وسيديهات ، ففي خبر مبهم كما هي معظم فصول رواية مقتل الشيخ ، أعلن مسئولون أمريكيون  ممن لم تأت الوكالات على ذكر اسم أي منهم، باعتبار أنهم ليسوا من المسموح لهم بالحديث عن موضوع بن لادن، أن المواد الإباحية تشتمل على شرائط فيديو "تم تسجيلها الكترونيا" وهو ما يشير إلى أنها تسجيل من موقع ما إلى آخر، ومن بعدها تم وضعها في "سي.دي" لمشاهدتها وقت الرغبة، كما أعلن المسئولون الغامضون أنفسهم أن "بن لادن"  كان يتناول نوعا من الفياجرا العشبية معروف هناك باسم "شراب أفينا" وهو عبارة عن خلاصة نبات الشوفان المصنف كعلاج طبيعي للضعف الجنسي، وفي إشارة ضمنية يلتقطها من يريد التشكيك في المعلومة ، ويبرئ الشيخ من هذه التهمة القبيحة ، أعادت وكالات الإعلام النزيهة جدا من وجهة نظر البعض التأكيد على معلومة خاصة بالبيت الذي كان يقطنه الشيخ وأهله : أن هذا المجمّع السكني كان بلا خدمة انترنت أو خط هاتفي، وكان يصعب على أي مقيم فيه "تحميل" تلك المواد والأشرطة من موقع على الإنترنت لتثبيتها في أسطوانة مدمجة أو ذاكرة رقمية، أو شيء من هذا القبيل، ولو فعل لاستحال عليه أو على أي كان غير بن لادن مشاهدتها ، وذلك للتأكيد على نسبتها للشيخ الراحل .  

أفكار مصرية بنسخ أمريكية

ـ قليل جدا من يعلم أن مخطط شيطنة الشيخ الراحل هذا، قد جرى إعداده وإنتاجه منذ عدة سنوات، ولكن خوفا من ردود الفعل غير المحسوبة، تم التكتم عليها، وإعادة النظر في إخراجها للعلن، ففي 28 مايو من العام الماضي نشرت صحيفة 'الواشنطن بوست' الأمريكية في ملحقها الأمني، نقلا عن مسئولين كبار في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية  حول إقدام الوكالة على فبركة أشرطة جنسية مقززة لتشويه صورة كل من الرئيس العراقي صدام حسين وزعيم تنظيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن،الصحيفة قالت: أن خبراء في الوكالة المذكورة كانوا يخططون لفبركة شريط يصور الرئيس العراقي الراحل يمارس الجنس مع فتى مراهق، وتعمد ظهور الصورة مهزوزة للإيحاء بان التصوير جرى من خلال كاميرا صغيرة مزروعة في السرير لإضفاء بعض المصداقية عليه،كما صورت الوكالة شريطا فعليا لرجل باكستاني قريب الشبه بالشيخ أسامة بن لادن ، وتم الاتفاق معه على أداء دور الشيخ ، وهو جالسا حول حلقة من النار في جبال تورا بورا وسط حفنة من الصبيان المخنثين، يعاقر الخمر ، وخوفا من ردود الأفعال الغاضبة والسلبية تم سحب الشرائط قبل طرحها عبر وسائل الإعلام المختلفة لشيطنة بن لادن وصدام .

ـ هذه الطريقة الشيطانية في التشويه القذر ، طريقة قديمة كان لنظام المخابرات العامة في عهد جمال عبد الناصر قصب السبق في اكتشافها وإتباعها في الضغط على المعارضين لسياسة عبد الناصر الاستبدادية ، وقد كان صلاح نصر رئيس المخابرات المصرية أول من فكر وأدخل هذه الطرق القذرة في السيطرة والضغط ، وهو أول من أدخل إدارة خاصة في المخابرات للأعمال القذرة،ومن ثم انتقلت هذه الطريقة إلي باقي دول المنطقة ، واستفادت منها القوى الكبرى وقتها ، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي .  

لماذا تشيطن أمريكا بن لادن ؟

ـ أمريكا ظلت تلهث بكافة أجهزتها ومؤسساتها الاستخباراتية خلف أسامة بن لادن لعدة سنوات ، وقد سخرت كل الإمكانات المتاحة للوصول إليه ، ووضعت أغلى مكافأة مالية في تاريخ البشرية من أجل الحصول عليه حيا أو ميتا لتدرك ثأرها من الرجل الذي ظل لعقدين من الزمان ألد أعدائها وكابوسها الذي لا يفارق خيال رؤسائها ومسئوليها ، والكره والبغض بين الأشخاص قد يدفعهم لأعمال انتقامية لا تخطر على بال الكثيرين ، ولكن لم أكن أتصور أن ثمة كره وحقد يدفع بدولة يفترض بها أن تكون زعيمة العالم المعاصر ، و تدعى في كل محفل ومناسبة وهيئة دولية أنها راعية الحريات وحقوق الإنسان ، والمدافعة عن المقهورين والمضطهدين في أي بقعة من العالم ، لم أكن أتصور أن يدفعها الحقد والكره لمثل هذا النوع الكذب المفضوح ، والسفالة المموجة ، والإباحية في التعامل مع خصومها .

ــ وقد يري البعض أن الحرب يباح فيها كل الوسائل ، وأن الغاية تبرر الوسيلة ، وأن جراح أمريكا وآلامها من ضربات تنظيم القاعدة تدفعها لأكثر من ذلك ، وأنها قد فعلت ما هو أعظم من ذلك في مواطن كثيرة ، ومع بن لادن نفسه عندما قتلته ومثلت بجثته ، ثم ألقتها في بحر العرب غير مبالية بشعور وغضبة العرب والمسلمين من هذا التصرف المهين مع جثة مسلم موحد بالله ، فضلا عن كونه أحد كبار المعارضين والمقاومين للهيمنة الأمريكية ، ولكن كل هذا لا قيمة له طالما أن أمريكا تقنع نفسها وتخدع من حولها أن ما قامت به هو عين الحق والعدل ويتماشى مع القوانين والأعراف الدولية ، وهي كمن يطلق الكذبة ويملأ الدنيا بها ، فإذا به يصدقها ويعتقد صحتها .

ـ أمريكا بروايتها الميلودرامية عن مقتل أسامة بن لادن  قد كشفت نفسها أمام العالم بأسره ، أنها دولة لا تختلف كثيرا عن التتار والصليبيين في العصور الوسطى في الإجرام والوحشية والبربرية والدموية ، لذلك حاولت أن تجمل وجهها القبيح بأعذار أشد قبحا من فعلتها ، فجثة الشيخ لا تعرض على وسائل الإعلام لأنها تؤذي مشاعر المسلمين ، وبها قدر كبير من التشويه ، ولا أدري أين كانت هذه الإنسانية ورقة المشاعر عندما عرضت جثتي عدي وقصي ولدي صدام ، بعد أن تم قتلهما وتمزيق جثتيهما تمزيقا ، فأعدوا تجميع الجثتين في صورة بشعة ومروعة ، وعرضا على جميع وسائل الإعلام ، ولا أدري أين كانت رقة المشاعر المرهفة لدى شياطين البنتاجون وهم يعرضون الصور المروعة لما جرى في سجن أبي غريب بالعراق من تعذيب واغتصاب لأهل السنة بالعراق ، فالحديث عن رقة المشاعر والحفاظ على الأحاسيس المرهفة حديث لا يليق بمن تلطخت أيديهم بدماء المسلمين وسكروا منها حتى الثمالة .

ــ والحقيقة أن أمريكا الآن تحاول أن تتدارك التعاطف الشعبي الواسع مع الشيخ الراحل، بمثل هذه الأكاذيب الإباحية ، التي تكشف إسقاطا أمريكيا يتماشي مع ثقافة الشذوذ والانحراف الذي تزخر به العقلية الأمريكية والتي سبق وأن رأيناها في أجلى صورها في مسلخ أبي غريب . أمريكا حقيقة شعرت بالصدمة من جراء المظاهرات الحاشدة التي انطلقت في دول يفترض بها أنها في محور الاعتدال ، والتي خرجت منددة بالجريمة الأمريكية بحق بن لادن وأسرته ، بل صدمت من استنكار بعض مؤسسات الإسلام الرسمي مثل الأزهر الشريف ودار الإفتاء  وغيرهما ، وذلك عندما ندد كل من شيخ الأزهر ومفتي مصر بالجريمة والتعامل البربري مع جثمان الراحل ، أمريكا كانت تظن أن العالم العربي والإسلامي سيهلل مثل باقي الأمريكان  لمقتل بن لادن ، وسيخرج في مسيرات تأييد للجريمة الأمريكية ، وربما يهللون ويرقصون في شوارع القاهرة والرياض والأردن وغيرهم فرحا وطربا لمقتل عدو أمريكا الأول ، مثلما فعل راقصو البيت الأبيض يوم الإعلان عن  مقتل بن لادن ، فالعكس تماما هو الذي حدث معظم الحكومات العربية التزمت الصمت ولم تعلق على الأمر بالسلب ولا بالإيجاب ، و المظاهرات التي خرجت في أنحاء عدة من العالم العرب و الإسلامي كانت للتنديد والشجب ، وبدلا من أن يلعن العرب والمسلمون بن لادن كما تمنى الأمريكان وظنوا ، إذ بالعرب والمسلمون يقيمون على روحه عشرات الصلوات في شتى أنحاء العالم ، في تحد واضح للسرور والاحتفاء الأمريكي بالجريمة .

ــ لذلك قررت أمريكا أن تطعن هؤلاء المحتفين برحيل بن لادن وتعظيمه حيا وميتا ، بأن يشيطنوه بأخس وأحط الوسائل التي تتماشى مع العقلية الأمريكية المريضة والشاذة ، والتي تري العالم كله من منظار الشهوة الحيوانية ، ولكن الذي فات أمريكا أن أكاذيبها لن ولم تعد تنطلي على أحد ، فأغبى الأغبياء ، وأسفه البلهاء ، لن يصدق أن هذا الشيخ المجاهد الذي ترك الملايين الكثيرة والحياة الناعمة والأمن والاستقرار وحياة القصور ونعيم الدنيا وملذاتها وراء ظهره وهو في عنفوان شبابه وأوج فتوته ، ورضي برفقة السلاح وصحبة الصعاب وسكنى القفار والجبال ، وطورد وشرد من بلد لآخر ، وهو ثابت على عزمه ، ماض في طريقه الذي اختاره لنفسه منذ شرخ شبابه ، لن يصدق أحد  أن هذا الطراز النادر من الرجال ،  يتلوث بمثل هذه القبائح والرذائل التي لا تليق إلا بالمنحرفين والباحثين عن الشهوة بأي سبيل ، وعلى ما يبدو أن أمريكا قد نسيت كيف كان تاريخ رؤسائها وتلطخهم بأنجاس الخيانة ، خاصة وأن الخيانة الزوجية كانت ضيفا مستمرا على أروقة البيت الأبيض ، أمريكا نسيت ليالي كيندي الحمراء، وسهرات كلينتون مع مونيكا في غرف البيت الأبيض المغلقة ، فظنت أنها من السهل أن تروج لمثل هذه الأكاذيب الإباحية عن بن لادن .

أمريكا ظلت لفترات طويلة تجيد صناعة الكذب وطمس الحقائق ، وتشويه الرموز ، ولكنها الآن آخذة في السير على درب الحماقة بعد أن أعماها الحقد والكره على بن لادن حتى أقدمت على كذبة إباحية مثل هذه



كاتب المقالة : شريف عبد العزيز
تاريخ النشر : 18/05/2011
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com