فرسان بالنهار رهبان بالليل ( 1 ) أبوبكر الصديق



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ؛ من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ؛ وأصلي واسلم علي خير البرية محمد بن عبد الله تسليما كثيرا وعلي أهل بيته الطاهرين وأصحابه المفضلين علي الناس أجمعين رغم أنف الدجالين الرافضة الكاذبين والشيعه المجرمين ؛ الذين هدموا الدين بسبهم للصحابة الأكرمين الذي زكاهم رب العالمين وقدمهم على سائر الناس سيد الخلق أجمعين .
إن هذه السلسلة العطرة التي سوف نسردها بإذن الله من باب تذكير الأمة النائمة الغافلة بتاريخها ؛ ومن باب ذكر أفضل الناس بعد نبيها ؛ ولعلو الهمة والتشبه بهؤلاء الرجال الذين ذاقوا أصناف العذاب وترك الأهل والأموال والضيعات والبلدان من أجل أعلاء كلمه الله ورفع شأن هذا الدين ؛ ومهما فعلنا من نشر سيرهم العطره لن نستطيع أن نرد لهم ولو جزء من الجميل الذي في أعناقنا إلي يوم الدين .
وأقل ما نفعله أن نذب عن هؤلاء الكبار الشوامخ العظام ما يقال في حقهم من أحفاد ابن سبأ اليهودي عليه وعليهم من الله ما يستحقون ؛ فإنهم آفه هذا العصر وكل عصر ؛ وهم أخطر علي هذه الأمة من اليهود والنصاري ؛ إنهم الشيعة الرافضة المتزندقة .
إن بيان فضلهم والله والله إنه لمن الدين ونحن نتقرب إلي الله بسيرهم وبحبهم ونسأل الله أن يحشرنا معهم ومع الحبيب المصطفي
  0 .

وإليكم أول العملاقة والفرسان .
أبو بكر الصديق
رفيق الدار والغار والقبر

اسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي .
واسم أمه : أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر ، ماتت مسلمة .
وفي تسميته بعتيق ثلاثة أقوال : أحدهما ما روي عن عائشة أنها سُئلت : لم سمي أبو بكر عتيقاً ؟ فقالت : نظر إليه رسول الله فقال : هذا عتيق الله من النار . والثاني : أنه اسم سمته به أمه ، قاله موسى بن طلحة . والثالث : أنه سُمي به لجمال وجهه ، قاله الليث بن سعد . وقال ابن قتيبة لقبه النبي بذلك لجمال ؛ وسماه صديقاً وقال : يكون بعدي اثنا عشر خليفة ، أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلاً . و كان علي بن أبي طالب يحلف بالله أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء : الصديق .

صفته

كان أبو بكر رضي الله عنه نحيفاً خفيف العارضين معروق الوجه ناتئ الجبهة أجنى لا يستمسك ، إزاره يسترخي عن حقويه ، عاري الأشاجع يخضب بالحناء والكتم عن أنس قال : كان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم . و عن قيس بن أبي حازم قال : دخلت مع أبي على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً خفيف اللحم ، أبيض .

قالوا عنه :

{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) ‏الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)}
 سورة الليل
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ . قَالَ : فَقَالَ : {يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا}
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ :«إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَىَّ فِى صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّى لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِى الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ ، إِلاَّ بَابَ أَبِى بَكْرٍ» رواه البخاري ومسلم
عَنْ أَبِى عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رضى الله عنه (أَنَّ النَّبِىَّ بَعَثَهُ عَلَىَ جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ ،
فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أَىُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ «عَائِشَةُ» . فَقُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ فَقَالَ « أَبُوهَا » .
قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ « ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ » . فَعَدَّ رِجَالاً) رواه البخاري
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النَّبِيِّ : {لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا}
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ نُودِىَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ ، هَذَا خَيْرٌ . فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عَلَى مَنْ دُعِىَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ : « نَعَمْ . وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ » البخاري
عَنِ ابْنِ عُمَرَرضى الله عنهما قَالَ (كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضى الله عنهم) رواه البخاري

أفعاله الجميلة

عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ مَوْلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكر رَضِيَ الله عَنْهما قَالَتْ : (كَانَ الْمُشْرِكُونَ قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَذَاكَرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَقُولُ فِي آلِهَتِهِمْ ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامُوا إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ ، فَأَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْه فَقَالُوا : أَدْرِكْ صَاحِبَكَ . فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ لَغَدَائِرَ أَرْبَعٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبُّكُمْ ، قَالَ : فَلُهُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ ؛ قَالَتْ: فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْه فَجَعَلَ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلَّا جَاءَ مَعَهُ، وَهُوَ يَقُولُ : تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)
وعن أنس ، قال : لما كان ليلة الغار قال أبو بكر: يا رسول الله دعني أدخل قبلك فإن كان حية أو شيء كانت لي قبلك قال : ادخل . فدخل أبو بكر فجعل يلتمس بيده كلما رأى جحراً قال بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر ، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع . قال : فبقي جحر فوضع عقبه عليه ثم أدخل رسول الله فلما أصبح قال له النبي : فأين ثوبك يا أبا بكر ؟ فأخبره بالذي صنع ، فرفع رسول الله يديه و قال : اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة . فأوحى الله عز و جل إليه أن الله تعالى قد استجاب لك .
وعن الزهري قال : قال رسول الله لحسان : هل قلت في أبي بكر شيئاً ؟ فقال نعم . فقال : قل و أنا أسمع . فقال :
وثاني اثنين في الغار المنيف ... وقد طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان أحب رسول الله ، قد علمــــــوا من البرية لم يعدل به رجـــلا
فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، ثم قال : صدقت يا حسان ، هو كما قلت .
وقال المدائني : وكان ردف رسول الله .
وعن عمر بن الخطاب قال : أمرنا رسول الله أن نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . قال : فجئت بنصف مالي . قال : فقال لي رسول الله : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . و أتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال له رسول الله : ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم الله و رسوله . فقلت : لا أسابقك إلى شيء أبداً .
وعن قيس قال : اشترى أبو بكر رضي الله عنه بلالاً ، و هو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهباً ، فقالوا : لو أبيت إلا أوقية لبعناك . قال : لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته .
 
جُمَلٌ من فضائله و مناقبه رضي الله عنه

ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبا بكر شهد مع رسول الله بدراً وجميع المشاهد ، و لم يفته منها مشهد ، وثبت مع رسول الله يوم أحد ، ودفع إليه رسول الله رايته العظمى يوم تبوك ، وأنه كان يملك يوم أسلم أربعين ألف درهم ، فكان يعتق منها ويقوي المسلمين ، وهو أول من جمع القرآن ، وتنزه عن شرب المسكر في الجاهلية والإسلام ، وهو أول من قاء تحرجاً من الشبهات . وذكر محمد بن إسحاق أنه أسلم على يده من العشرة خمسة : عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم .
روى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : (خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ) أخرجاه في الصحيحين .
عن أبي الدرداء قال : كنت جالساً عند النبي إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه ، فقال النبي أما صاحبكم فقد غامر ، فسلم فقال يا رسول الله إني كان بيني و بين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي ، فأقبلت : فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ، ثلاثاً . ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فقال : أثم أبو بكر قالوا : لا ، فأتى إلى النبي فسلم عليه فجعل وجه النبي و سلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله ، والله إن كنت أظلم مرتين . فقال رسول الله : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي ؟ مرتين ، فما أوذي بعدها . انفرد بإخراجه البخاري .
و عن سهل بن سعد قال : كان قتال بني عمرو بن عوف فبلغ النبي فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم ، وقال : يا بلال إن حضرت الصلاة و لم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس . فلما أن حضرت الصلاة أقام بلال العصر ثم أمر أبا بكر فتقدم بهم وجاء رسول الله بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة فلما رأوه صفحوا و جاء رسول الله يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر . قال : و كان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت ، فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت فرأى النبي خلفه فأومأ إليه بيده أن امضه فقام أبو بكر على هيئته فحمد الله على ذلك ثم مشى القهقرى . قال : فمضى رسول الله فصلى بالناس ، فلما قضى الصلاة قال : ياأبا بكر ما منعك إذ أومأت إليك أن لا تكون مضيت ؟ فقال أبو بكر : لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله . فقال للناس : إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال ، و لتصفح النساء . أخرجاه في الصحيحين .
وعن عائشة قالت : لما ثقل رسول الله جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قالت : فقلت : يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر . فقال : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قالت : فقلت لحفصة : قولي له إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر فقال رسول الله : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ. قالت : فأمروا أبا بكر يصلي بالناس ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله في نفسه خفة ، قالت : فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض ، حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه رسول الله : أن قم كما أنت فجاء رسول الله حتى جلس عن يسار أبي بكر وأبو بكر قائماً ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر . أخرجاه في الصحيحين .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر . فبكى أبو بكر وقال : هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله . رواه أحمد ؟.
وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي ، قال : أتت امرأة إلى النبي فأمرها أن ترجع إليه ، قالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول الموت قال رسول الله إن لم تجديني فأتي أبا بكر . رواه البخاري
وعن أبي رجاء العطاردي قال : دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين و رأيت رجلاً يقبل رأس رجل ويقول : أنا فداء لك لولا أنت هلكنا فقلت : من المقبل ومن المقبل ؟ قالوا ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين .
وعن محمد بن الحنفية قال : قلت لأبي : أي الناس خير بعد رسول الله قال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر . و خشيت أن يقول : عثمان قلت : ثم أنت فقال : ما أبوك إلا رجل من المسلمين . انفرد بإخراجه البخاري .
وعن الحسن ، قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا ليتني شجرة تعضد ثم تؤكل .
وعن زيد بن أرقم قال : كان لأبي بكر مملوك يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة ، فقال له المملوك : مالك كنت تسألني كل ليلة و لم تسالني الليلة ؟ قال : حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا ؟ قال مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال : أف لك كدت تهلكني فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ ، و جعلت لا تخرج فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ، فدعا بعس من ماء فجعل يشرب و يتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله ، كل هذا من أجل هذه اللقمة ؟ فقال لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ، سمعت رسول الله يقول : كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة . وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث عائشة طرفاً من الحديث .
وعن هشام عن محمد قال : كان أغير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر .
وعن محمد بن سيرين قال : لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي من أبي بكر .
وعن قيس قال : رأيت أبا بكر آخذاً بطرف لسانه و يقول : هذا الذي أوردني الموارد .
وعن ابن أبي مليكة ، قال : كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق ، قال : فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه قال : فقالوا له : أفلا أمرتنا نناولكه ؟ قال : إن حبي أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً . رواه الإمام أحمد .
خلافة أبي بكر رضي الله عنه

ذكر الواقدي عن أشياخه أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله يوم الاثنين لاثني عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله .
طرف من خطبه و مواعظه و كلامه رضي الله عنه

عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل ثم قال : أما بعد أيها الناس ، قد وليت عليكم و لست بخيركم ، و لكن قد نزل القرآن وسن النبي السنن فعلمنا ، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى ، وأن أحمق الحمق الفجور ، إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه ، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق ، أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني .
وعن الحسن قال : لما بويع أبو بكر قام خطيباً ، فلا والله ما خطب خطبته أحد بعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني وليت هذا الأمر وأنا كاره له ، والله لوددت أن بعضكم كفانيه ، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم مثل عمل رسول الله لم أقم به . كان رسول الله عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به ، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني ...
وعن يحيى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في خطبته : أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشأنهم ؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور ، ألوحا ألوحا ، النجاء النجاء .
وعن عبد الله بن عكيم قال : خطبنا أبو بكر فقال : أما بعد : فإني أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو أهله ، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة . إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي ، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ، ولا يطفأ نوره ، فصدقوا قوله وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم القيامة ، وإنما خلقكم لعبادته ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون ، ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله ، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم ، فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم ، ألوحا ألوحا النجاء النجاء إن وراءكم طالباً حثيثاً مره سريع .

مرض أبي بكر و وفاته رضي الله عنه

عن عبد الله بن عمر قال : كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله ، كمد فما زال جسمه يحري حتى مات .
وعن ابن هشام أنا أبا بكر و الحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر . فقال الحارث لأبي بكر : ارفع يا خليفة رسول الله ، و الله إن فيها لسم سنة ، و أنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة .
وقيل : كان بدء مرضه أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوماً .
وعن أبي السفر قال : مرض أبو بكر فعاده الناس ، فقالوا : ألا ندعو لك الطبيب ؟ قال : قد رآني . قالوا : فأي شيء قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد .
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال : لما حضر أبا بكر الصديق الموت دعا عمر فقال له : اتق الله يا عمر ، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل ، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضته ، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً ، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأخاف أن لا ألحق بهم ، وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ، ورد عليهم أحسنه ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً ؟، لا يتمنى على الله ، ولا يقنط من رحمة الله ، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك ، و إن أنت ضيعت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت ، ولست تعجزه .
وعن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال : انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي ، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه ، وإذا ناضح كان يسقي بستاناً له ، فبعثنا بهما إلى عمر . قالت : فأخبرني جدي أن عمر بكى وقال : رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً .
و عنها قالت : لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثم قال : أما بعد يا بنية ، فإن أحب الناس غنىً إلي بعدي أنت ، وإن أعز الناس عليّ فقراً بعدي أنت ، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي فوددت والله أنك حزته وإنما هو أخواك وأختاك . قالت : هذان أخواي فمن أختاي ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة فإني أظنها جارية . وفي رواية قد ألقي في روعي أنها جارية فولدت أم كلثوم .
وعنها قالت : لما ثقل أبو بكر قال : أي يوم هذا ؟ قلنا يوم الاثنين . قال : فإني أرجو ما بيني و بين الليل قالت : وكان عليه ثوب عليه ردع من مشق فقال : إذا أنا مت فاغسلوا ثوبي هذا و ضموا إليه ثوبين جديدين و كفنوني في ثلاثة أثواب فقلنا : أفلا نجعلها جدداً كلها ؟ قال : لا ، إنما هو للمهلة فمات ليلة الثلاثاء . أخرجه البخاري .
قال أهل السير : توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب و العشاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، و هو ابن ثلاث و ستين وأوصى أن تغسله أسماء زوجته فغسلته وأن يدفن إلى جنب رسول الله . وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر ، ونزل في حفرته ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان و طلحة بن عبيد الله .
رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين


كاتب المقالة : الشيخ / محمد فرج الأصفر
تاريخ النشر : 29/09/2010
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com