أحكام "رموز القذافي"... فصل من الانقسام القضائي والسياسي


دخلت محاكمة رموز النظام الليبي السابق، منعطفاً جديداً أمس الثلاثاء، بعدما أصدرت محكمة "استئناف طرابلس - دائرة الجنايات" حكماً، قابلاً للطعن، قضى بالإعدام رمياً بالرصاص على سيف الإسلام القذافي أبرز أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى جانب سبعة آخرين من المقربين من نظامه، أبرزهم البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد القذافي، ومدير الاستخبارات السابق عبد الله السنوسي، وذلك بعد أشهر طويلة من محاكمتهم لدورهم في قمع انتفاضة 17 فبراير/شباط 2011.

لكن الحكم كان منذ اللحظة الأولى لصدوره عرضة للانتقاد ضمن شقين؛ الأول سياسي، خصوصاً في ظل الانقسام الذي يضرب مؤسسات البلاد ويطاول المؤسسة القضائية، والتي بات الاعتراف بأحكامها ينحصر بالجهة التي تُحسب عليها. أما الشق الثاني فقانوني مرتبط بمجموعة ملاحظات متعلقة بالمحاكمات وظروفها، وقد تولّى محامو المحمودي والقذافي والسنوسي فضلاً عن منظمات حقوقية دولية التعبير عنها.

تفاصيل الأحكام

أحكام الإعدام الصادرة أمس شملت كلاً من سيف الإسلام القذافي، وعبد الله السنوسي والبغدادي المحمودي، فضلاً عن أبوزيد دوردة آخر رئيس لجهاز الأمن الخارجي، ومنصور ضو رئيس جهاز الحرس الشعبي، وميلاد دامان رئيس جهاز مكافحة الزندقة (جهاز خاص بملاحقة الإسلاميين)، ومندر مختار مسؤول أمني في عهد القذافي، وعبد الحميد عمار أحد القياديين في ما يعرف بـ"اللجان الثورية" في عهد القذافي، بحسب ما أوردت وكالة "الأناضول".

وحكمت المحكمة نفسها بالسجن المؤبّد والحرمان من الحقوق المدنية على خمسة آخرين، على خلفية "استغلالهم لمناصبهم الإدارية لإثراء وسرقة المال العام"، بحسب قاضي المحكمة.

وأصدرت المحكمة أيضاً أحكاماً بالسجن 12 سنة مع الحرمان من الحقوق المدنية على ستة متهمين في القضية نفسها، وبالسجن عشر سنوات على أربعة آخرين، كما حكمت بالسجن لمدة ست سنوات على ثلاثة متهمين آخرين، فيما أصدرت المحكمة حكماً ببراءة آخر وزير خارجية للقذافي، عبد العاطي العبيدي، ومحمد الزوي آخر رئيس للمؤتمر الشعبي العام (البرلمان)، وثلاثة آخرين، من تهم نسبت إليهم تتعلق بدعمهم لـ"كتائب القذافي"، بحسب "الأناضول". كما قررت المحكمة إيداع أحد المتهمين مصحة عقلية.

لكن الأحكام تعد غير نهائية، إذ يجب أن تؤكدها المحكمة العليا في ليبيا ضمن مهلة 60 يوماً، يحق للدفاع خلالها الطعن بها، بحسب ما أوضح مدير مكتب التحقيقات في مكتب النائب العام الصديق الصور، والذي أكّد أمس الثلاثاء أن "القضاء الليبي بعيد كل البعد عن التجاذبات السياسية".

وكانت قد نظرت محكمة "استئناف طرابلس - دائرة الجنايات" في قضايا 37 من رموز نظام القذافي، فيما صدرت الأحكام أمس بحضور معظم المتهمين.
وأبرز الغائبين عن جلسة أمس الثلاثاء سيف الإسلام القذافي، المتهم الأول في القضية، والموقوف في سجن بمدينة الزنتان (غربي البلاد)، إذ تعذّر حضوره نتيجة رفض السلطات في الزنتان تسليمه إلى المحكمة في طرابلس. كذلك تعذّر أيضاً الربط الفني بالدائرة التلفزيونية المغلقة بين محكمة الزنتان والمحكمة في طرابلس. وكان سيف الإسلام قد حضر ثلاث جلسات فقط عبر الدائرة المغلقة من أصل 21 جلسة منذ بدء جلسات المحاكمة في 23 مارس/آذار 2013. وكانت المرة الأخيرة التي ظهر فيها سيف الإسلام أمام المحكمة عبر نظام الدائرة المغلقة بالفيديو، في 27 إبريل/نيسان الماضي.

وتشكّك مصادر عدة في مصير سيف الإسلام، إذ إنه بعد اندلاع الاشتباكات بين قوات "فجر ليبيا" وبين كتائب "القعقاع" و"الصواعق" و"المدني" من الزنتان في طرابلس في يونيو/حزيران الماضي، اختفت أي أنباء عن سيف الإسلام.

وواجه المدانون خلال محاكمتهم عدداً من التهم، بينها جريمة الإبادة الجماعية والتحريض على الاغتصاب وإصدار الأوامر بقتل المتظاهرين وجلب المرتزقة وإثارة الفتن وتشكيل مليشيات مسلحة والنهب والتخريب وخيانة الأمانة والإضرار بالمال العام.

وسيف الاسلام والسنوسي صدرت بحقهما مذكرتا توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وسبق أن اتهمت المحكمة الجنائية الدولية سيف الإسلام باستئجار مرتزقة لقمع التظاهرات ضد والده.

وبينما تصرّ المحكمة الجنائية إلى الآن على الطلب من السلطات الليبية تسليم سيف الإسلام إليها، بسبب شكوك في قدرة طرابلس على ضمان محاكمة عادلة له، وطلبت تدخل مجلس الأمن ليتخذ ما يراه مناسباً من إجراءات لضمان امتثال ليبيا لطلبها، تتمسك حكومة طرابلس برفض الأمر. في المقابل، أقرّت المحكمة الجنائية بحق السلطات الليبية بمحاكمة السنوسي داخل البلاد، واستأنف دفاع السنوسي على القرار غير أن قضاة الاستئناف أيدوه.

ولم يكن ممكناً البدء في محاكمة رموز نظام القذافي لولا تمكن السلطات الليبية من اعتقال بعضهم، وتسلّم بعض آخر من دول الجوار. وكان المجلس الانتقالي الليبي في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 قد أعلن عن اعتقال سيف الإسلام جنوبي ليبيا، وتحديداً بالقرب من بلدة أوباري، لينتهي بذلك دوره بعد أن كان قد بدأ ظهوره السياسي على الساحة الدولية في عام 2000 ومرّ بمراحل عديدة جعلته موفداً ووسيطاً بين نظام القذافي والغرب تارة ومهمشاً تارة أخرى.

كذلك أعلنت السلطات التونسية في 24 يونيو/حزيران 2012 عن تسليمها رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي المحتجز في تونس إلى السلطات الليبية، واتخذت يومها الحكومة التونسية القرار بمفردها من دون أن تأخذ رأي الرئاسة التي كان يتولّاها في ذلك الحين منصف المرزوقي، والذي لم يوقع مرسوم التسليم. وشغل المحمودي منصب رئيس الوزراء في عهد القذافي منذ عام 2006 وحتى فراره إلى تونس في أغسطس/آب 2011، قبل أن تعلن السلطات التونسية عن اعتقاله في شهر سبتمبر/أيلول 2011 لعبوره الحدود بطريقة غير مشروعة.

أما السنوسي فتسلمته السلطات الليبية من موريتانيا في مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2012. وكان السنوسي قد دخل موريتانيا بجواز سفر مالي وبهوية مزورة وتم توقيفه ليل 16 - 17 آذار/مارس 2012 في مطار نواكشوط لدى وصوله من المغرب. ووضع رهن الحبس الاحتياطي ثم وجهت إليه في 21 أيار/مايو تهمة "تزوير وثائق سفر" ودخول البلاد بطريقة غير قانونية. واعتقل منذ ذلك التاريخ في نواكشوط قبل أن يتم تسليمه في سبتمبر/أيلول. وكانت فرنسا تطالب بتسلمه أيضاً لاتهامه بالتورط في الهجوم على طائرة "يو تي ايه" في عام 1989.

في سياق ردود الأفعال القانونية، نقلت وكالة "رويترز" عن أحد محامي سيف الإسلام القذافي إدانته محاكمة موكله ووصفها بأنها "صورية".

وكان المحامي البريطاني جون جونز، والذي يتولى الدفاع عن سيف الإسلام القذافي، قد لخّص في حوار مع "بوابة أفريقيا الإخبارية" أسباب تحفظه على المحاكمة قبل صدور الحكم بقوله إنّ هذه "المحاكمة تفتقر تماماً إلى الشفافية"، مضيفا أنّ "النيابة لم تتحرك لاستدعاء أي شهود، ولم تقم بما في وسعها لحماية الأدلة من التلاعب بها". وأوضح جونز أنّه "لم تبث العديد من جلسات الاستماع بشكل صحيح أو بشكل كامل، بسبب الوضع الأمني، ولم تكن هناك منظمات غير حكومية أو ممثلون دوليون في ليبيا لمراقبة الجلسات منذ يونيو/حزيران 2014". وزعم المحامي البريطاني أنّ "المعتقلين وأسرهم تعرضوا إلى جانب محاميهم للتهديد والترهيب المستمر"، وفق تعبيره.

من جهته، قال أحد محامي الدفاع عن السنوسي، ويدعى إبراهيم أبو عائشة، لوكالة "فرانس برس" إنه "لم يأت شهود إثبات ولم يحضر شهود نفي. لذا فإن عدالة هذه المحاكمة نسبية". وأضاف "هناك أربعة آلاف ورقة تحقيق وأربعون ألف مستند (ضمن القضية)"، متسائلاً "كيف درست بهذه السرعة؟".

كذلك نقلت "بوابة ليبيا الأفريقية" عن محامي المحمودي، مبروك كورشيد، قوله إن الحكم "أكبر مهزلة في تاريخ القضاء في هذا العصر"، معتبراً أنه "لا علاقة له لا بالعدالة ولا بالقانون وأنه قرار سياسي حزبي". وأضاف "تقرر تدويل قضية البغدادي المحمودي ومتابعة من سلّمه ومن حكم عليه قضائياً".

من جهتها، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أمس الثلاثاء، إنها "منزعجة بشدة" لأحكام الإعدام. وأضافت في بيان "راقبنا عن كثب الاحتجاز والمحاكمة ووجدنا أن معايير المحاكمة الدولية النزيهة لم تتوفر". وأشارت إلى "عدم تحديد المسؤولية الجنائية لكل فرد وعدم السماح للمتهمين باستشارة المحامين ومزاعم عن سوء المعاملة وإجراء المحاكمة غيابياً".

سياسياً، دانت الحركة الوطنية الشعبية الليبية، المحسوبة على نظام القذافي، في بيان لها أوردته "بوابة ليبيا الأفريقية" الأحكام، منتقدة ما قالت إنه "صمت المجتمع الدولي على ما تتعرض له القيادات الوطنية الليبية السياسية والعسكرية والامنية من مليشيات المنظمات الإرهابية المسيطرة على طرابلس"، وفق مزاعم البيان.

وسبق صدور الحكم نقل "بوابة أفريقيا" أيضاً تصريحات لعبد المجيد مليقطة، رئيس اللجنة التسييرية لتحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل، قال فيها إن "محاكمة أتباع النظام السابق في طرابلس غير عادلة، والتهم الموجهة إلى سيف الإسلام القذافي ملفقة ولهذا السبب لم نقم بتسليمه، ولن نعترف بالحكم الذي سيصدر في 28 يوليو/تموز، ويجب أن تعاد محاكمتهم بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني برعاية المبعوث الدولي إلى ليبيا برناردينو ليون".

وقد يكون موقف تحالف جبريل نابعاً من ثلاثة معطيات: أولها أن جبريل ظل يعتبر من صلب نظام القذافي حتى عام 2008 تقريباً، واستمر يعوّل على إمكانية إصلاح النظام. كما كان يعتبر، خلال توليه مسؤوليات في نظام القذافي، من المقربين من سيف الإسلام. ثانياً، قد يكون موقف تحالف جبريل من الأحكام نابعاً من قراءته للتغييرات الدولية والإقليمية الحاصلة التي قد تفيد بأن هناك ردّة نحو تسوية الأزمات عن طريق مصالحات لا بد أن يكون رموز الأنظمة المخلوعة أساساً فيها. ثالثاً ربما يكون موقف جبريل نابعاً من حجة تفيد بأن هذه الأحكام قد تثير مشاكل إضافية في ليبيا تعزز النعرات القبلية، لكون عدد من المحكومين محسوبين على قبائل ليبية رئيسية.

بدورها، ترفض حكومة طبرق المنبثقة عن برلمان طبرق المنحل بقرار من المحكمة الدستورية الاعتراف بشرعية المحاكمة. وفي السياق، نقل عن وزير العدل في حكومة طبرق، المبروك قريرة، قوله أول من أمس، إنه يجب على "المجتمع الدولي عدم الاعتراف بهذه المحاكمات




كاتب المقالة :
تاريخ النشر : 29/07/2015
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com