الشوق إلى الترقّي


انعقد، في العام 1898، في مكة المكرمة "مؤتمر النهضة العربية"، بتنظيم من جمعية "أم القرى" التي ضمت 22 عالماً من مختلف بلاد المسلمين، ولعب عبد الرحمن الكواكبي دور العرّاب فيها، ومن النتائج التي خلص إليها المؤتمر: أن المسلمين في حالة فتور مستحكم عام يجب تداركه سريعاً. وأن سبب الفتور تهاون الحكام ثم العلماء ثم الأمراء. وأن جرثومة الداء هي الجهل المطلق، وأضر فرع الجهل في الدين. وأن الدواء هو أولاً تنوير الأفكار بالتعليم، وثانياً إيجاد شوق للترقي في رؤوس الناشئة. وأن وسيلة المداواة هي عقد الجمعيات التعليمية والقانونية. وأن المكلفين بالتدبير هم حكماء الأمة ونجباؤها من السراة والعلماء. وأن الكفاءة لإزالة الفتور بالتدريج موجودة في العرب خاصة. 
ولا تعليق على مجمل هذه الخلاصات، حتى من باب مراجعة ما تغيّر منها في يومنا هذا، وقد عبرنا قرناً فارقاً أو يزيد، ولا مراجعة ما أنجز منها وما لم يُنجز، سوى أن نقول إن أحوال التعليم في بلادنا تغيّرت، وقد جرى فعلاً تنوير الأفكار بالتعليم كما طلب المؤتمر، غير أن "الشوق إلى الترقي" عاد إلى الغياب من رؤوس الناشئة وغير الناشئة، بعد أن استوطن فيها ردحاً من الزمان، حين استعاد العرب حلم النهضة، وعملوا له في منتصف القرن العشرين، وفشلوا.
في عهد الكواكبي، كان حلم النهضة قد عبر قرناً آخر قبله، يمتد منذ تأسيس دولة محمد علي في مصر مطلع القرن التاسع عشر، مروراً بما بذره رفاعة الطهطاوي، في تنظيره التأسيسي لمشروع النهضة. وما دام الكواكبي يتحدث، بعد الطهطاوي بسبعين سنة، عن "إيجاد" الشوق إلى الترقي، فليس ذلك إلا لأن مبادئ الطهطاوي وأفكاره الكبرى أُهدرت، منذ وصول الاستعمار العسكري الأوروبي إلى بلادنا العربية في منتصف القرن التاسع عشر. ولا نحتاج بذل جهد كثير، لنبرهن أن الحال ما يزال في عالمنا العربي الحال نفسه.
قامت دعوة الطهطاوي الإنهاضية، كما هو معروف، على فكرة مفادها "التسويغ للاقتباس من بلاد الإفرنج"، على اعتبار أن "الحق أحق بأن يُتبع". ولذلك، انطوت أفكاره الأولى على الدعوة إلى الأخذ بالنظامين، الاجتماعي والسياسي، الذين شاهدهما في فرنسا، في أثناء مكوثه فيها لأغراض تعليمية، وفق قاعدتي: الحرية الفردية في النظام الاجتماعي، و"المواطنة" في النظام السياسي.
وإذا كان هذا الأخذ عن فرنسا، مما رآه الطهطاوي وسيلة لإصلاح المجتمع ونهوض الدولة، يؤشر إلى أن المشروع النهضوي العربي، في تلك المرحلة التأسيسية، لم يكن ينظر لأوروبا مصدر خطر يجب الحذر منه، بل باعتبارها "قدوة" في النهضة، ونموذجاً يجدر اتباعه، فإنه يؤكد أن الاستعمار الأوروبي العسكري مثّل السبب المباشر لتغيّر أحوال الاقتداء، وتحوّل أحوال المقتدين.
وأكثر ما تغيّر في أحوالنا، أن "الشوق إلى الترقي" لم يعد ينبع من داخل مشروعنا الحضاري، وسعينا إلى الدخول في التاريخ، ولو من خلال الاقتداء، بل بات يقوم على التقليد والاستنساخ (ومن دون النجاح فيهما أيضاً!)، بحجة الالتزام بالنماذج الناجحة.
هكذا، التزم الاقتداء منهج التفكير المعياري، السائد في الثقافة العربية المعاصرة الذي يتجه إلى القياس عوضاً عن الإبداع والابتكار، بمعنى أن كل فكرة إنهاضية باتت تلتزم نموذجاً تطبيقياً معيناً عرفه العالم، حديثاً أو قديماً، ثم راح أصحابها يقيسون عليه ما يصح وما لا يصح، بدلاً من أن يخضع تحديد ما يصح وما لا يصح، إلى ما يحقق حاجاتنا.
عرف العرب المعاصرون هذه المشكلة مبكراً مع "طلائع" الأحزاب الماركسية العربية، فكان الاتحاد السوفييتي بمثابة "النموذج" الذي يعودون إلى تطبيقاته للماركسية، بدلاً من العودة إلى الماركسية نفسها، وإبداع تطبيق عربي لها يناسب أحوالنا، كما فعل الصينيون مثلاً. وعرفناها أخيراً مع حركات الإسلام السياسي التي اعتمدت ما تتخيل أنه "مجتمع الصحابة"، نموذجاً، فكانت كلها سلفية ترجع إلى فهم السلف للقرآن، لا إلى القرآن نفسه.
والحال أن "الشوق إلى الترقي" الذي تحدّث عنه الكواكبي، بين قرن بدأ فائضاً بالشوق، وقرن ثان انتهى، والشوق في أضعف حالته، يمكن استعادته بالتوقف عن التقليد النموذجي -الفاشل- واستعادة روح النهضة القائمة على الابتكار في الأفكار، ولو على قاعدة الاقتداء.




كاتب المقالة : سامر خير أحمد
تاريخ النشر : 26/07/2015
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com