الدفء العاطفي


 
تبدأ العلاقة الزوجية بمشاعر حب وسعادة وسرور وتفاؤل واحترام متبادل، ثم لا تلبث هذه المشاعر أن تهدأ وتستقر رويدًا رويدًا مع مرور الزمن، وقد يحدث أحيانًا أن تختفي هذه المشاعر نهائيًا، نتيجة تراكم مشاكل الحياة اليومية أو نتيجة الأخطاء والإساءات المقصودة أو غير المقصودة من الزوجين.
فتور العلاقة الزوجية...لماذا؟
(عندما يحب الإنسان لأول مرة، ويرتبط بمن أحب، يكون بمقدوره أن يقضي كل دقيقة من اليوم مع ذلك الإنسان الذي يحبه، ولا يشعر بالملل أو بانشغال البال وهو معه، ولحظة وصوله إلى المنزل، لا يطيق الانتظار حتى يتحدث إليه، فيبدأ هو في التحدث، وهو يُمعن النظر في عينيه، بل إنه يشعر أن ساعات ابتعاده عنه تساوي دهرًا كاملًا وتدور أفكاره جميعها حول هذا الإنسان الذي أحبه) [لا تهتم بصغائر الأمور في العلاقات الزوجية، ريتشارد كارلسون، ص(362)، بتصرف].
ويبدأ الزوجان حياتهما السعيدة ببناء عش الزوجية، اختيار لون الجدران، الاستقرار على الأثاث الذي سيزين البيت السعيد، ثم يعيش كلا الزوجين في حلم جميل ويؤكد كل منهما للآخر أنه يتمنى أن يعيش معه هذه الحياة السعيدة لأبد الآبدين.
وما إن تمر سنوات الزواج، بل ربما تمر سنة واحدة، حتى يستيقظ كل واحد من الزوجين من سبات الأحلام الذي كان يعيش فيه، وقد اختفى الدفء العاطفي بينهما، وذبلت أوراق المودة والرحمة التي بين الزوجين.
ثم تبدأ إرهاصات الملل تتسرب في العلاقة بين الزوجين الحبيبين (وينشغل الزوج بأحواله وظروف عمله أو مشاكله، وتنشغل الزوجة عن الاهتمام بزوجها إلى رعاية أبنائها، فتشكو الزوجة من عدم اهتمام زوجها بها، وإعراضه عنها ومعاملتها وجفاء وعدم تقديره، ونفس الشكوى يرددها الزوج: زوجتي لم تعد تطيقني، ولم تعد تحبني وتضايقني كثيرًا بتصرفاتها، وتهمل رعايتي، وتتعلل بأولاد، أو بأننا كبرنا ولا ينبغي أن نتصرف مثل الشباب المراهق، ثم إن هذا الفتور في العلاقة الزوجية ينعكس على كل أحوال البيت، فلا ترتاح الزوجة ولا الزوج ويعيش الأبناء في قلق وتوتر، فالصوت مرتفع لأتفه الأسباب والمشاكل البسيطة تتعمق ويكبر سوء الظن وتأويل الكلام على الوجه السيء، إضافة إلى تصرفات وسلوكيات أخرى لا يرضاها أحد) [رسالة إلى ابنتي، زينب الغزالي].
أسباب الملل:
هناك عوامل عديدة تؤدي إلى تسرب الملل للحياة الزوجية، فمنها تنافر الطباع، وتصادم آراء الزوجين في الحياة وأمورها، واختلافهما في درجات التطور، وفي تأثرهما بالعادات الموروثة، كما أن هناك ألوان كثيرة أخرى من المخاطر والمتاعب والصعوبات والمآسي، يتعرض الزواج لنتائجها، ولا يدرك خطرها غير الذي يقاسون مآسيها، وهناك صخرة كبيرة وهي أن التجاذب الحسي قد ينطفئ بعد الزواج، فيحل محله نفور حسي، وهذا النفور الحسي يظهر إذا ضعف الميل المتبادل بين الزوجين.
وإن الواحد ليتعجب كيف أن الزوجين كانا يقبلان بعيوب بعضهما في الأيام الأولى من الزواج، صار كل واحد منهما الآن ينتقد الآخر في أتفه الأمور، فها هو الزوج صار ينتقد زوجته في بيضة غير ناضجة أو خبزًا غير طازج، والزوجة صارت ترى في إهمال زوجها للترتيب والنظام لحاجياته، أسوأ صفة في العالم.
فهكذا تمضي الحياة وتضعف طاقة العاطفة، ويدخل شيء من الملل والرتابة على الحياة بين الزوجين، وبما أن العاطفة هي المنظم للحب بينهما، فإن الحب كذلك يصبه شيء من الضعف والخمول، ويظل في خط تدريجي إلى أسفل كلما مضى العمر، وتبقى العلاقة قائمة على روابط الأبناء.
ومن ضعف الحب، تخرج المشكلات إلى سطح العلاقة بين شريكي الحياة، فالعاطفة التي كانت تعمل على إذابة الفروق والاختلافات الفطرية أصابها الضعف، فتبدأ الانتفاخات الذاتية، والحواجز النفسية في البروز بينهما، وتظل تنمو شيئًا فشيئًا حتى ينفصلان روحيًا ونفسيًا عن بعضهما، وتظل المشكلات قائمة بينهما تغذيها تلك الانتفاخات والحواجز، فيبقى الزوجان يعيشان على ذكريات الماضي الجميلة، ويستسلمان للواقع الأليمن ولا يتطلعان إلى مستبقبل جديد، بل ربما بحث كل منهما عن حب جديد أو وقع بينهما الطلاق.
وأسباب أخرى:
(إن من أكبر مشاكل الزواج الإهمال، إهمال أشياء بسيطة وبسيطة جدًا يتزايد الإهمال إلى حد التجاهل غير المتعمد لحساسية الطرف الآخر واحتياجاته التي في الغالب تكون بسيطة جدًا، ويحدث تراكم مع الأيام، والمشكلة الأساسية هي التراكم، ونتحمل في البداية حين نكون صغارًا ونكبر ومع ازدياد التراكم يزداد الإحساس بالألم، ونصل إلى مرلحة ربما لا نستطيع أن نتحمل معها) [متاعب الزواج، عادل صادق، ص(14)].
حتى يعود الدفء:
إن من أهم الأشياء التي تجعل عودة الدفء العاطفي بين الزوجين سريعًا بين الزوجين اللذين يشعران بالملل، هي الامتنان والتقدير لما يقوم به كل منهما في الحياة الزوجية، فكلمة "شكرًا" لها أثر كبير في توطيد العلاقة بين الزوجين الحبيبين.
فإذا تكلمنا عن الزوج، فالرجل يحتاج إلى تقدير الآخرين لأعماله وإنجازاته بالكلمات أو الإشارات، فحينما يحضر إلى المنزل في المساء فلا يرى سوى وجوهًا عابسة أمامه، ومشاكل عديدة تنتظره، إنه هنا لا يسمع كلمة شكر وامتنان من أحد على ما بذله من جهود من أجل العائلة؛ فيبدو له عدم تقدير أسرته لما يقوم به من أجل زوجته وأولاده، ويتمنى أن تقدِّر زوجته ـ على وجه الخصوص ـ ما يفعله.
وعندما لا تقدِّر الزوجة لزوجها نفقته وتُحمِّله المسئولية فإنه يشعر بأنه غير مُقدَّر، وأن هذا الفعل يجب أن يفعله غصبًا؛ وبالتالي يشعر أنها لا تحبه، هي فقط تستفيد منه، ولذا نبَّه الحديث إلى امرأة يحسن لها الرجل طوال حياته بتوفير المنزل لها ورعاية أولادها ماديًّا وتحمل المسئولية وتحمل مهمة القوامة، ثم ترى منه أمرًا فتقول له: (ما رأيتُ منك خيرًا قط)) وسمى ذلك كفرانًا، أي الجحود بحق العشير.
فعلى الزوجة شكر الزوج وتقديره على تحمل المسئولية وعلى توفير المنزل والنفقة وما يقوم به من الواجبات، وعندما يُقدَّر الزوج؛ يشعر بأن جهده لا يذهب هباءً، لذا فهو يكرر العطاء.
فكيف تمنحي زوجك التقدير؟ أختي المسلمة قولي له: (أعلم تمامًا أن ما تبذله من أجلنا، جزاك الله خيرًا على كل الجهود، أعطاك الله العافية، الحياة معك جميلة، أشعر بالأمان إلى جانبك، الاستقبال والتوديع بحرارة المديح والامتنان وإبداء الرضا، وأكدي له والابتسامة تعلو وجهك كم هو رائع كإنسان وفي مهتنه وأخيرًا رائع كحبيب؟).
اعلمي أنه يستمتع بتقديرك له أمام الآخرين، واحرصي أن تجعليه يدرك أنه يمكن أن يقول: لا، ويبقى حبك له كما هو، حتى بعد أن رفض ما تطلبينه.
وكذلك أنت أيها الزوج، لكي تستحوذ على قلب زوجتك ما أجمل أن تأتي إليها بهدية صغيرة لتعبر فيها عن امتنانك لها ولجهودها التي تبذلها في البيت، أو أن تكلمها وأنت في عملك لتسأل عن حالها وتخبرها أنك تحبها، فمثل هذه الأمور الصغيرة كفيلة لطرد أي ملل يمكن أن يتسلل خفية إلى الحياة الزوجية.
(وكل رجل يعرف كيف يغري امرأته على أن تفعل من أجله أي شيء، لو أنه أهداها بين الفينة والفينة شيئًا من الهدايا التي لا تُكلف مالًا يُذكر، مكافأة على حسن تدبيرها للبيت أو إجادة طهوها الطعام.
وكل رجل يعلم أنه لو قال لامرأته: (كم يبدو جمالك رائعًا وضاءً في ثوب العام الماضي)؛ لما رضيت أن تستبدل بهذا الثوب القديم أحدث المبتكرات من الأزياء، وكل رجل يعرف أن في وسعه أن يُقبِّل زوجته فيُغمضها حتى تكاد تكون كالعمياء، وأنه يستطيع أن يطبع على شفتيها قبلة تفقدها القدرة على النطق) [كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، ص(276)].
ماذا بعد الكلام؟
1- من خلال معرفتك بشخصية شريكك، اختر هدية تُناسبه، يتفاعل معها نفسيًّا وعاطفيًّا ويذكرك بها دومًا.
 2- قدِّم الهدية بطريقة عاطفية لتمتلك قلب شريكك.
 3- قدِّم الهدية بنفس طيبة ووجه طلق.
 4- استغل المناسبات لتقديم الهدية المناسبة ولتنمية الحب في القلب.
5- عليكِ أيتها الزوجة أن تمنعي تسرب الملل بينك وبين زوجك، فافعلي أي شيء من الممكن أن يكون سببًا في جعل الحياة الزوجية ممتعة، كأن تقدري زوجك على مجهوده، أو أن تتزيني له عندما يدخل البيت بعد يوم شاق من العمل، أو أن تطهي له أكلة هو يحبها، وغير ذلك من الأشياء الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير في الحياة الزوجية، وتمنع المشكلات والمشاحنات بين الزوج وزوجته، وكفيلة بإذن الله أن تقضي على الملل، وإعادة الدفء العاطفي للحياة الزوجية.

المصادر:

·          كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
·          متاعب الزواج، عادل صادق.
·          لا تهتم بصغائر الأمور في العلاقات الزوجية، ريتشارد كارلسون.
·          رسالة إلى ابنتي، زينب الغزالي.


كاتب المقالة : أم عبد الرحمن
تاريخ النشر : 22/11/2011
من موقع : موقع الشيخ محمد فرج الأصفر
رابط الموقع : www.mohammdfarag.com