موقع الشيخ محمد فرج الأصفر || رمضـان شهـر القـرآن والصيـام والغفـران ( 2 ) شهر القرآن
اسم المقالة : رمضـان شهـر القـرآن والصيـام والغفـران ( 2 ) شهر القرآن
كاتب المقالة : الشيخ / محمد فرج الأصفر

فضيلة شهر رمضان
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ففيه تفتح أبواب الرحمة، وتغلق أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين ومردة الجن، وفي هذا الشهر الكريم تضاعف الحسنات، وتقال العثرات، وتجاب الدعوات، وهو شهر الصبر والمواساة والصدقات، وفيه الصيام والقيام والشفاعة والغفران ، والعشر الأواخر وليلة القدر والعمرة ، والفرحة بالفطر والبشرة ، فهل لمثل هذا الشهر سبق وخير في باقي الشهور مثل هذا الشهر.
شهر رمضان شهر القرآن
القرآن الكريم:
هو كلام الله المنزل على سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته المعجز المتحدى بأقصر سورة منه، المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس .
ولذلك ففضل كلام الله عز وجل على كلام الناس ، كفضل الله عز وجل على سائر الناس
وهذا الكتاب ، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن أتبع الهدى من غيره أضله الله فهو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، والذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذى لا تزيغ به الاهواء ، ولا تلتبس به الالسنة ، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يمله الاتقياء ، ولا يخلق على كثرة التكرار ، ولا تنقضى عجائبه ، وهو الذى لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا :(إنا سمعنا قرآنا عجبا) من علم علمه سبق ، ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
شهر القرآن
قال تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) البقرة : 185
روي عن عطية بن الأسود أنه سأل ابن عباس فقال : إنه قد وقع الشك في قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) الدخان : 3 . وقد نزل القرآن سائر الشهور ، وقال تعالى : (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَـزَّلْنَاهُ تَنْـزِيلا) الأسراء : 106
فقال ابن عباس : نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان ، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم نزل به جبريل عليه السلام على محمد نجوماً نجوماً في ثلاث وعشرين سنة .
فضل قراءة القرآن
إن قراءة القرآن الكريم هي التجارة الرابحة مع الله تعالى ، التي لا خسارة فيها. وقد كان رمضان مخصصاً لتدارس القرآن بين جبريل عليه السلام ومحمد في كل سنة ، وفي العام الذي توفي فيه رسول عارضه جبريل عليه السلام القرآن مرتين .
وعن ابن عباس قال : (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِوَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُفِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُجِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) رواه البخاري
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُاللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ قَرَأَحَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِأَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌوَمِيمٌ حَرْفٌ " رواه البخاري والترمذي.
وعن أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ) رواه مسلم والترمذي.
أحوال الصحابة والسلف مع القرآن
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : " ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يختالون "

وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : " إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل شذا في النهار " .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( كنا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن ) وروي عنه أنه حفظ سورة البقرة في تسع سنين وذلك ليس للإنشغال عن الحفظ أو رداءة الفهم ولكن بسبب التدقيق والتطبيق ..

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : ( إنّا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به ، وإنّ من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ضوي صعب عليهم العمل به ) .

قال عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما : ( لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن ... ) .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين ) .

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ( رب تال للقرآن والقرآن يلعنه ) .

قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما : ( لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها ، وما ينبغي أن يقف عنده منها ، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان ، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه ، ينثره نثر الدقل !! ) ..

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( لا تهذوا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل - أي التمر الرديء وفي رواية الرمل - قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة

وعن الفضيل بن عياض قال : " ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم " ، وعنه أيضاً قال : " حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن " .
عن عبد الله بن عروة ببن الزبير : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعوا القرآن ؟ قالت : (تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله)
وكانت أمَّ المؤمنينَ الطاهرةَ عائشةَ رضي الله عنها وأرضاها قرأت وهي تصلي قول الله تعـالى ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) فبكت وقالت : (اللَّـهُـمَّ مُـنَّ علَيَّ وَقِنِـي عَذَابَ السَّمُـومِ إنَّكَ أَنتَ الْبَـرُّ الرَّحِـيمُ)
وسمع عمر بن الخطاب رجلا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور فلما بلغ إلى قوله - تعالى - : {إن عذاب ربك لواقع ، ما له من دافع} قال عمر : قسم ورب الكعبة حق ، ثم رجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه.
وعن نافع : كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية : " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " يبكي حتى يغلبه البكاء
وكان محمد بن المنكدر ذات ليلة قائماً يصلي إذ استبكى ، فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله ، وسألوه ، فاستعجم عليهم ، وتمادى في البكاء ، فأرسلوا إلى أبي حازم فجاء إليه ، فقال : ما الذي أبكاك ؟ قال : مرت بي آية ، قال : وما هي ؟ قال : * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) * فبكى أبو حازم معه ، فاشتد بكاؤهما.

وجاء عنه أنه جزع عند الموت ، فقيل له : لم تجزع ؟ قال : أخشى آية من كتاب الله * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) ؛ فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.

 

ختمات السلف للقرآن الكريم

وقد اختلف الصحابة والتابعين في ختمهم للقرآن الكريم فمنهم من كان يختم ختمة واحدة في اليوم والليلة مثل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي وآخرون .

ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات في اليوم والليلة سليم بن عمر رضي الله عنه قاضي مصر في خلافة معاوية رضي الله عنه .

وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات ، وروى أبو عمر سنان في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات .

قال الشيخ الصالح أبو عبدالرحمن السلمي رضي الله عنه : سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول : " كان ابن الكاتب رضي الله عنه يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة " ، وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان من عباد التابعين رضي الله عنه : " أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء " .

وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل وروى أبو داود بإسناده الصحيح :" أن مجاهدا كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء " ، وعن منصور قال : " كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان " ..

حتى يحل حبوته : وعن إبراهيم بن سعد قال : "

كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن " ..

وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير رضي الله عنهم ختمة في كل ركعة في الكعبة وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة أحدانا نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهم وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وإبراهيم رحمهم الله ..

عن بهز بن حكيم أن بينها بن أوفى التابعي الجليل رضي الله عنه أمهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير خر ميتاً قال بهز : " وكنت فيمن حمله " ..

وكان أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله :" إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق " ..

وقال القسطلاني: أخبرني شيخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف أنه كان يقرأ خمسة عشر ختمة في اليوم والليلة. وفي الإرشاد أنه النجم الأصبهاني رأى رجلاً من اليمن ختم في شوط أو أسبوع وهذا لا يتسهل إلا بفيض رباني ومدد رحمني

أخيـــــــــــراً
إن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته ، فيهذ الواحد منهم القرآن هذ الشعر ، بدون تدبر ، ولا خشوع ، ولا ترقيق للقلب ، ولا وقوف عند المعاني ، بل همه الوصول إلى آخر السورة أو آخر الجزء أو آخر المصحف.
ولا شك أن القرآن ليس لهذا أنزل فإن الله تعالى قال : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ص : 29
اختم مقالي بهذا الحديث العظيم ، لعل الله بمنه وكرمه أن يمن علينا ويتقبله منا ومنكم .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَاأَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ؟ قَالَ:"أَجَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ". صحيح على شرط مسلم وأخرجه أحمد والطبراني والحاكم

انتظرونا في السلسلة الرمضانية

ولا تنسونا من صالح دعائكم
تاريخ الاضافة: 13/07/2013
طباعة